ابن حجر العسقلاني

447

فتح الباري

أن تلومني عليه فإن الأمة أجمعت على جواز لوم من وقع منه ذلك بل على استحباب ذلك كما أجمعوا على استحباب محمدة من واظب على الطاعة قال وقد حكى ابن وهب في كتاب القدر عن مالك عن يحيى بن سعيد ان ذلك كان من آدم بعد أن تيب عليه رابعها انما توجهت الحجة لادم لان موسى لامه بعد أن مات واللوم انما يتوجه على المكلف ما دام في دار التكليف فإن الاحكام حينئذ جارية عليهم فيلام العاصي ويقام عليه الحد والقصاص وغير ذلك وأما بعد أن يموت فقد ثبت النهي عن سب الأموات ولا تذكروا موتاكم الا بخير لان مرجع أمرهم إلى الله وقد ثبت انه لا يثنى العقوبة على من أقيم عليه الحد بل ورد النهي عن التثريب على الأمة إذا زنت وأقيم عليها الحد وإذا كان كذلك فلوم موسى لآدم انما وقع بعد انتقاله عن دار التكليف وثبت ان الله تاب عليه فسقط عنه اللوم فلذلك عدل إلى الاحتجاج بالقدر السابق وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه غلب موسى بالحجة قال المازري لما تاب الله على آدم صار ذكر ما صدر منه انما هو كالبحث عن السبب الذي دعاه إلى ذلك فأخبر هو أن الأصل في ذلك القضاء السابق فلذلك غلب بالحجة قال الداودي فيما نقله ابن التين انما قامت حجة آدم لان الله خلقه ليجعله في الأرض خليفة فلم يحتج آدم في أكله من الشجرة بسابق العلم لأنه كان عن اختيار منه وانما احتج بالقدر لخروجه لأنه لم يكن بد من ذلك وقيل إن آدم أب وموسى ابن وليس للابن أن يلوم أباه حكاه القرطبي وغيره ومنهم من عبر عنه بأن آدم أكبر منه وتعقبه بأنه بعيد من معنى الحديث ثم هو ليس على عمومه بل يجوز للابن أن يلوم أباه في عدة مواطن وقيل انما غلبه لأنهما شريعتين متغايرتين وتعقب بأنها دعوى لا دليل عليها ومن أين يعلم أنه كان في شريعة آدم ان المخالف يحتج بسابق القدر وفي شريعة موسى أنه لا يحتج أو انه يتوجه له اللوم على المخالف وفي الجملة فأصح الأجوبة الثاني والثالث ولا تنافي بينهما فيمكن ان يمتزج منهما جواب واحد وهو أن التائب لا يلام على ما تيب عليه منه ولا سيما إذا انتقل عن دار التكليف وقد سلك النووي هذا المسلك فقال معنى كلام آدم انك يا موسى تعلم أن هذا كتب علي قبل ان أخلق فلا بد من وقوعه ولو حرصت أنا والخلق أجمعون على رد مثقال ذرة منه لم نقدر فلا تلمني فإن اللوم على المخالفة شرعي لا عقلي وإذا تاب الله علي وغفر لي زال اللوم فمن لامني كان محجوجا بالشرع فإن قيل فالعاصي اليوم لو قال هذه المعصية قدرت على فينبغي أن يسقط عني اللوم قلنا الفرق ان هذا العاصي باق في دار التكليف جارية عليه الاحكام من العقوبة واللوم وفي ذلك له ولغيره زجر وعظة فأما آدم فميت خارج عن دار التكليف مستغن عن الزجر فلم يكن للومه فائدة بل فيه ايذاء وتخجيل فلذلك كان الغلبة له وقال التوربشتي ليس معنى قوله كتبه الله على ألزمني به وانما معناه أثبته في أم الكتاب قبل أن يخلق آدم وحكم ان ذلك كائن ثم إن هذه المحاججة انما وقعت في العالم العلوي عند ملتقى الأرواح ولم تقع في عالم الأسباب والفرق بينهما ان عالم الأسباب لا يجوز قطع النظر فيه عن الوسائط والاكتساب بخلاف العالم العلوي بعد انقطاع موجب الكسب وارتفاع الأحكام التكليفية فلذلك احتج آدم بالقدر السابق ( قلت ) وهو محصل بعض الأجوبة المتقدم ذكرها وفيه استعمال التعريض بصيغة المدح يؤخذ ذلك من قول آدم لموسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته إلى آخر ما خاطبه به وذلك أنه أشار بذلك إلى أنه اطلع على عذره وعرفه بالوحي فلو استحضر ذلك ما لامه مع وضوح عذره وأيضا